المياه الجوفية في سوريا… ثروة تتبخر في الأعماق

حذّرت دراسة متخصصة من تصاعد أزمة المياه الجوفية في سوريا، في ظل ارتفاع معدلات الضخ، وانتشار الآبار غير المرخصة، وتراجع مخزون السدود، مع استمرار القطاع الزراعي في استهلاك الجزء الأكبر من الموارد المائية المتاحة.
وتناولت الدراسة التي أعدها المهندس الزراعي المختص بالتربة والمحاصيل الحقلية مراد قره مصطفى، واقع الموارد المائية السورية، وموقع البلاد ضمن مؤشرات الإجهاد المائي العالمية، إضافة إلى توزيع الاستهلاك بين القطاعات وتأثير تراجع المياه السطحية على الخزانات الجوفية.
واعتمدت الدراسة، التي حملت عنوان “نزيف الخزانات السحيقة: الجغرافيا السياسية والاقتصادية لأزمة المياه الجوفية في سوريا”، على بيانات معهد الموارد العالمية “WRI”، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو”، إلى جانب أبحاث استخدمت تقنيات الأقمار الصناعية لرصد تغيرات المياه الجوفية في حوض العاصي.
وخلصت إلى أن أزمة المياه لم تعد مشكلة بيئية فقط، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالأمن الغذائي والإنتاج الزراعي والاستقرار الاقتصادي وقدرة السكان على البقاء في مناطقهم.
سوريا ضمن الدول الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي
أظهرت الدراسة أن سوريا تقع ضمن مستويات مرتفعة جدًا من الإجهاد المائي، نتيجة الفجوة بين كميات المياه المسحوبة سنويًا وحجم الموارد القابلة للتجدد.
وبحسب بيانات معهد الموارد العالمية التي استندت إليها الدراسة، سجلت سوريا 4.44 نقاط من أصل 5 على مؤشر الإجهاد المائي المرتفع للغاية الصادر ضمن تصنيف “Aqueduct” عام 2015.
ويقيس المؤشر نسبة استهلاك المياه مقارنة بالموارد المتجددة، إذ تشير المستويات القريبة من خمس نقاط إلى ضغوط شديدة على المخزون المائي وصعوبة تعويض الكميات المستنزفة.
ووضعت هذه النتيجة سوريا ضمن قائمة الدول الأكثر عرضة لمخاطر تراجع الموارد المائية خلال العقود المقبلة، كما أشارت الدراسة إلى انخفاض حصة الفرد من المياه العذبة المتجددة إلى ما دون خط الفقر المائي العالمي البالغ ألف متر مكعب سنويًا.
اعتماد كبير على المياه العابرة للحدود
قسّمت الدراسة الموارد المائية المتجددة في سوريا إلى موارد داخلية ناتجة عن الأمطار والثلوج، وموارد خارجية تأتي عبر الأنهار والأحواض المشتركة مع دول الجوار.
وبحسب بيانات منظمة “فاو”، تقدر الموارد المائية الداخلية المتجددة بنحو 7 مليارات متر مكعب سنويًا، بينما تصل الموارد الخارجية إلى نحو 19.3 مليار متر مكعب، تشمل التدفقات القادمة عبر الأنهار المشتركة، وفي مقدمتها الفرات ودجلة.
وتقدر الدراسة إجمالي الموارد المتجددة بنحو 26.3 مليار متر مكعب سنويًا، لكنها تشير إلى أن هذا الرقم لا يعكس الكميات المتاحة فعليًا، بسبب تأثر التدفقات بالعوامل المناخية والإجراءات المرتبطة بدول المنبع.
وتعتمد سوريا على الموارد المائية العابرة للحدود بنسبة تصل إلى 80.3 في المئة، ما يجعل أمنها المائي مرتبطًا بشكل كبير بالتدفقات القادمة من خارج أراضيها.
الزراعة تستهلك الحصة الأكبر
أوضحت الدراسة أن القطاع الزراعي يمثل العامل الأساسي وراء ارتفاع الضغط على الموارد المائية، إذ يستهلك نحو 88 في المئة من إجمالي المياه المستخدمة في سوريا.
ويرتبط ذلك بالاعتماد الواسع على أساليب الري التقليدية، ولا سيما الري بالغمر، وزراعة محاصيل تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه مثل القطن والقمح.
في المقابل، يستهلك القطاع المنزلي نحو 9 في المئة من المياه، بينما لا تتجاوز حصة القطاع الصناعي 3 في المئة.
وترى الدراسة أن معالجة الأزمة تتطلب تغيير أنماط الري والزراعة، وليس التركيز فقط على تقليل الاستهلاك المنزلي، باعتبار أن الجزء الأكبر من الاستنزاف يأتي من النشاط الزراعي.
الآبار غير المرخصة تعمّق الاستنزاف
اعتبرت الدراسة انتشار الآبار غير المرخصة أحد أبرز أسباب تراجع المخزون الجوفي، خصوصًا مع ضعف الرقابة وتزايد الاعتماد على الضخ لتأمين احتياجات الأراضي الزراعية.
وأشارت إلى أن غياب تنظيم عمليات الحفر والاستخراج أدى إلى سحب كميات من المياه تتجاوز قدرة الخزانات على التعويض الطبيعي.
ولا يقتصر أثر الضخ الجائر على انخفاض منسوب الآبار، بل يمتد إلى الينابيع والبحيرات المرتبطة بالخزانات الجوفية، مستشهدة بجفاف نبع وبحيرة المزيريب في ريف درعا بعد أن شكلا لسنوات طويلة موردًا مائيًا مهمًا للمنطقة.
تراجع السدود يضغط على المياه الجوفية
ربطت الدراسة بين انخفاض مخزون السدود وتراجع قدرة الخزانات الجوفية على التجدد، إذ تسهم المياه السطحية في تغذية الطبقات الجوفية عبر عمليات التسرب الطبيعي.
وأشارت إلى أن عددًا من السدود الحيوية وصل إلى مستويات منخفضة جدًا، عُرفت بـ”المستوى الميت”، وهي المرحلة التي تصبح فيها المياه المخزنة محدودة الاستخدام.
وفي ريف دمشق، انخفض مخزون بعض السدود إلى نحو 1 في المئة، ما انعكس على مصادر المياه والزراعة في المنطقة، بينما اقترب التخزين في درعا من مستويات شبه معدومة، ولم تتجاوز النسبة في الحسكة نحو 10 في المئة.
فيضانات الفرات لا تعني انتهاء الأزمة
تناولت الدراسة ارتفاع منسوب نهر الفرات خلال عام 2026، مشيرة إلى أن التدفقات الكبيرة التي شهدها النهر كانت نتيجة ظروف موسمية واستثنائية، ولا تعكس تحولًا مستدامًا في واقع الموارد المائية.
وأكدت أن الاعتماد الكبير على المياه العابرة للحدود يجعل أي تغير في التدفقات الخارجية عاملًا مؤثرًا مباشرة على الوضع المائي داخل سوريا.
تحسن محدود في حوض العاصي
في المقابل، رصدت أبحاث علمية تعافيًا جزئيًا في بعض مناطق حوض العاصي، اعتمادًا على بيانات الأقمار الصناعية وتقنيات مراقبة تغيرات سطح الأرض والمياه الجوفية.
وأظهرت النتائج ارتفاعًا طفيفًا في بعض المناطق وعودة عدد من الينابيع التي كانت قد جفت سابقًا.
لكن الدراسة أوضحت أن هذا التحسن جاء نتيجة تراجع النشاط الزراعي خلال سنوات الصراع، وانخفاض عمليات الضخ، وليس نتيجة سياسات مستدامة لإدارة الموارد.
وحذّرت من أن العودة إلى أنماط الري التقليدية والضخ العشوائي قد تؤدي إلى فقدان هذا التعافي خلال فترة قصيرة.
أربعة حلول لمواجهة الأزمة
اقترحت الدراسة أربعة مسارات للحد من استنزاف المياه الجوفية، تبدأ بتنظيم الآبار غير المرخصة وتركيب عدادات لمراقبة كميات الضخ، مع تحديد حصص تتناسب مع قدرة كل حوض على التجدد.
كما دعت إلى التوسع في استخدام تقنيات الري الحديثة، خصوصًا الري بالتنقيط، واعتماد محاصيل أكثر قدرة على تحمل الجفاف.
وشددت على أهمية تطوير التعاون المائي مع دول الجوار لضمان استقرار تدفقات الأنهار المشتركة، إلى جانب الاستثمار في معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها في الأنشطة الزراعية.
وأكدت الدراسة في ختامها أن المياه الجوفية تمثل مخزونًا استراتيجيًا للأجيال المقبلة، وأن استمرار استنزافها قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الزراعية والاقتصادية ودفع مزيد من السكان إلى مغادرة مناطقهم.




